أقلام

ذاكرة تاريخية: معركة هود كريم …؟

بقلم:عماره بن عبد الله

هاهو التاريخ دوما يستوقفنا عند أحداث بارزة من مسيرة الجزائر الخالدة على درب البطولة والكفاح، عندما سطر الشعب الجزائري أثناء مقاومته للمحتل أكبر التضحيات وأروع ملاحم المجد والفداء كي يبقى الوطن حرا منيعا .
وفي غمرة حديثنا عن الثورة التحريرية ، نشيد بالدور الكبير الذي قامت به منطقة وادي سوف التي كانت رافدا من روافد التسليح، وذلك لموقعها الاستراتيجي وفطنة ودراية أهلها بالمسالك الصحراوية مع حدود دولة تونس ، وهذا ما شرف أهلها، بتزويد الثورة بالمال والسلاح والرجال، وأي رجال… قادة كبار وعظماء صنعوا المجد وحرروا الوطن بشجاعتهم وحنكتهم وبعدهم الجهادي ,وليس هذا فحسب بل شرفها في تفجير أول معركة بالمنطقة المعروفة بمعركة حاسي خليفة يوم 17 نوفمبر 1954 في المكان المعروف بغوط كريّم .
وقبل الخوض في تفاصيل وأسباب نشوب معركة هود كريم الشهيرة التي غيرت المنحنى، لاسيما المكاني منه باعتبارها أول الغيث بعد انطلاقة الأوراس الأشم ،لابد من الحديث عن ظروف تلك المرحلة التاريخية، لا سيما ما تعلق بالتطورات الحاصلة بالمنطقة المغاربية ، والتفجير الشعبي ضد التسلط والاستعمار الذي بدأت علامات ظهوره في منطقة المغرب العربي الكبير (تونس – المغرب)، والذي حاولت فرنسا مواجهته بمجموعة من الإجراءات كتنصيب قياد وشيوخ وشنابيط ، وذلك للتأثير على الرأي العام، لكن هذه المحاولات لم تصمد أمام إرادة المتعطش للحرية والاستقلال ، حينها بدأ الشعب يحضر لملحمة الاستقلال ثورة نوفمبر، الثورة التي عجز خبراء التاريخ والمحللون العسكريون وشعراء العالم عن وصفها ، أضف إلى ذلك ظهور ابن المنطقة المجاهد الراحل صالح صوادقية العائد من الحدود التونسية الذي بادر رفقة القائد حمه لخضر ودردوري خزاني بتجنيد الشباب، طبعا بعد دعم الاخوة السياسيين من حزب الشعب ،وتمكنوا من تكوين فوج من المجاهدين ليكونوا مفجري معركة حاسي خليفة يوم 17 نوفمبر 1954 .
ومن أبرز الأسباب والعوامل التي فجرت معركة هود كريم ، عندما اتصل الفوج بأحد المواطنين بقرية السويهلة الذي كان لديه قطعة سلاح ليأخذوها من عنده، لكنهم لم ينجحوا بسبب المخبرين ، فاشتبكوا مع العدو ليلا ، لكن سرعان ما تسللوا بالظلام شمال الدبيلة ،وصلوا الى حاسي خليفة عند طلوع الفجر فاختاروا الموقع الاستراتيجي المعروف بهود كريّم جنوب حاسي خليفة (بحي الهمايسة حاليا) لكونه مفصولا عن غابات النخيل ومحاطة به مساحات فارغة من كل جهة حتى يسمح لهم بالكشف ، إلا أن المخبرين كشفوا أمرهم للعدو فاشتبكوا معهم ،عند الساعة منتصف النهار وقتها انقسمت المجموعة الى قسمين فريق يتمركز خارج الغوط في البساتين وآخر داخله، حيث في الوقت الذي يطوق فيه العدو المجموعة التي هي داخل الغوط تقوم المجموعة الأخرى بفك الحصار وكان ذلك .
وبعد الغروب ونزول الليل وشدة الظلام ، نجح المجاهدون رغم قلة عددهم وعدتهم من إلحاق العدو خسائر كبيرة قدرت بعشرات القتلى والجرحى ,أما مجاهدونا البواسل جرح منهم واحد وتم أسره وهو المجاهد شعباني بلقاسم، وقتها انسحبت المجموعة نحو الشمال الى الجبال المجاورة للالتحاق بالمجاهدين المتواجدين هناك .
ومنذ ذلك اليوم استمرت الثورة، وتوالت الانتصارات… نصر بعد نصر بكل عزيمة وحكمة وصبر بفضل حنكة القادة والمجاهدين وإيمانهم بالنصر والحرية ، أضِف الى ذلك الدعم المادي والمعنوي منلأخوة السياسيين، لكن العدو كان رده عنيفا وبدأ كعادته بعد كل هزيمة بالقمع، بإجبار كل من عنده قطعة سلاح بتسليمها ، ويُبقى على هذا العهد الى مارس 1955.
وهكذا تبقى ثورة نوفمبر المجيدة من أعظم الثورات التي شهدها العالم … وهو ما يجعلها نموذجا لكل حركات التحرر لا لكونها مجرد نضال ولا لإخراج المستعمر ،بل لأنها تحمل في طياتها أبعادا انسانية وقيما أخلاقية ونبراسا لكل الثورات .

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى