ثقافةدوليمنوعات

الكاتب التونسي فتحي بن معمر … والبحث عن الهوية

يعد  الكاتب  التونسي   فتحي بن معمر  من بين الكتاب  الذي عنو بالإرث الحضاري والفكري  وماهية البحث عن الهوية في   التأصيل والتأسيس   لما يعرف بالأدب الحداثي  الذي يقوم على ماهية الفكر … الذي لا يقتصر على مكان أو زمان بعينهما  وهذا ماعكسته روايته الإخيرة      لأن   الحقائق ليست أمورا جليّة واضحة تتكدّس حولنا وتنتظر منّا أن نراها، بل إنّها كثيرا ما توجد حيث لا ينبغي لها أن توجد وتكون. وكثيرا ما يختلط جلّها ببعض الخيال للفنّان (أديبا /قاصا/ روائيا) حين لا تقوى النّفس على الاعتراف والمصارحة والبوح الشّفيف. لكنّها في الوقت عينه تُطلعنا على عظائم الأمور الخفيّة وبواطن النّفس البشريّة.

   رواية “أززلف” للرّوائي الأديب “فتحي بن معمر” هي “سوناتا” وطن. نصّ باذخ عامر بالأحداث الوطنيّة، زاخر بالمشاعر النابضة وخاصّة بعاطفتيْ الوفاء والإخلاص، رغم أنّه متوسّط الحجم فهو يقع في (27) مشهدا و(148) صفحة. يتتبّع رحلة البطل وتفاصيل عالمه الثريّ المسكون بالمشاعر الحقيقيّة العميقة حول أشخاص وأفكار وقضايا ومدن وأزمنة. ويكشف لنا أحداثا ومواقف من تاريخ ليس ببعيد، عرفناه وعاصرناه عن قرب. لكنّنا مازلنا لم نبح بعد بكلّ الحقيقة فيه وحوله وعنه ومنه.

  صاغ لنا فيها المؤلّف فصولا ومشاهد بعضها مفصّلا عميقا والبعض الآخر مبسّطا موجزا عن مغامرات حياتيّة، وأحداث عصيبة للبطل “البشير”. ذلك المنتمي إلى كلّ ما يخصّه. والوفيّ لكلّ ما يتبعه. والمخلص لكلّ من يحبّه. والأصيل بلغته وانتمائه الأمازيغي. الأبن الأكبر لأسرة تونسيّة مناضلة متوسّطة الحال. جسّدت المثال والأنموذج للحياة الحقيقيّة لقطاع محترم وعدد ليس بالهيّن من أبناء الشّعب التونسي.

 العنوان

    دعوني أوّلا أفسّر لكم معنى العنوان الغامض “أززلف”: هو مفردة من اللّغة الأمازيغيّة وتعني تلك الحرقة التي نشعر بها جراء التهاب مقدمة أعلى المعدة والمريء الناتج من تناول المأكولات الحارّة. أو قد يكون ناتج عن قصور عضوي ما، أو توتّر نفسي/عصبيّ يظهر أحيانا في تهيّج بعض أعضاء الجسم مثل القولون العصبي لدى بعض البشر ذوي الطبيعة العالية الحساسية.

“أززلف” التي تقابل في اللّهجة التونسية “الجَايَرْ” وباللّهجة المصرية “حموضة” مسبّبة آلاما وضيقا وتوتّرا للمرء قد يستمرّ طويلا. وفي غالب الأحايين لابدّ من هجر وجبات الطعام والشراب أو تناول الحبّات الدوائية المعالجة والمهدّئة للسّيطرة عليه والشفاء منها.

   وهو ما أصاب بطل الرّواية ” البشير” جرّاء حساسيته المفرطة من طول كتم المعاناة والألم. وكبت المشاعر الحقيقيّة الصادقة التي لم يعلن عنها في حينها. ومازالت تتأجّج في صدره ألما وحبّا وأملا ورفعة وظلما وكرها وحقدا وقهرا وخوفا. وطالما سُجنت وقُمعت وتوارت وسبّبت العديد من الأمراض النفسيّة التي لا علاج لها حتى الآن للكثير من أفراد الشعب التونسي الذين عاشوا مثل أحداث حياة البطل.

“البشير”  هو المريد المخلص الوله العاشق الوفيّ المؤمن بقضيّته وموطنه ووطنه ومعشوقته وأحلامه وأهله.

الوفاء للأماكن

 انبثقت أحلام بطل الرّواية مذ أشرقت شمسه في موطنه الآمن “جزيرة الأحلام/ جربة” وقريته العزيزة الغالية “الفاهمين”، حبّه الفطري وانتمائه الأوليّ والنهائي.  من خلال تلك المرافقة الصّادقة التي أتقنها المؤلف لتفاصيل حياة “البشير” وأسرته مستعرضا بزهو ووفاء الأماكن والأنهج والشوارع والتقاليد والتراث (جذع زيتونة لم تعرف الهرم تجاوز30 قرنا، أوليسْ، قلالة، مقهى شكيف، البطاح، مسجد سيدي ياتي، شراب سويقه، هضبة زُقاع، منحدر أُبرا، هضبة الكبرى..) لم تكن سياقات استثنائيّة بل كانت عبر سياقات سردية تفتح على سيل وفاء وفيض إخلاص يوقع القارئ في غرام القرية الطيّبة.

  حين انتقل “البشير” للدّراسة الجامعيّة بالعاصمة التونسيّة، حمل معه حبَّه وإخلاصَه للموطن والأحبة، ووفاءَه، وانتماءه للأفكار العظيمة والقضايا الكبرى، صانعا هنالك ذكريات أخرى ومعارك وصراعات مع المكان الغريب والأشخاص الذين تعرّف إليهم خلال سنوات الدراسة، موضّحا المعاناة البغيضة من قبضة الحاكم الظالم وبعض من ملامح الحياة الاجتماعية بالعاصمة والحياة الجامعيّة والمبارزات الفكريّة داخل أسوار كليّة الآداب والمعاناة والتّعذيب داخل معتقل “بوشوشة”.

كما وجّهنا المؤلف على استحياء إلى أحداث حقيقيّة مثل: الحوض المنجمي و”بنقردان” وانتحار “البوعزيزي” حرقا وهروب المخلوع وقيام الثورة و”القصبة”1 و”القصبة”2 واعتصام أهل “قلالة”. وهي كلّها تمثل علامات تاريخيّة وطنيّة فارقة.

الوفاء للشخصيات

       شخصيّات رواية “بن معمر” كانت كالأرخبيل، كلّ جزء منها منفصل بذاته. له خصوصيّة واضحة منفصلة متميّزة. لكنّها مع ذلك تكوّن جميعها ذاك الأرخبيل النّائي البهيّ المتميّز الذي يسحرك ويأخذ لبّك بمجرّد النظر إليه عن بعد ككلّ متكامل.

  منذ النّطفة الأولى لكلّ شخصيّة على حدة في أسطر الرواية، أخذ “بن معمر” يتتبّعهم ويراكم أحاسيسهم المزدانة بالصدق والإخلاص في مخيّلة القارئ. تلك الشّخصيّات القاطنات في السرد المباشر والأخريات المتواريات في الحجب. خاصة تلك الشّخصيّات الغليظة القلب المغسولة المخ التي تمثّل يد النّظام القاسي وساقه وعينه وأذنه. لقد رسم بصدق تلك القساوة وترجمها في المتن وبين طيّات السطور (ضرب/ سحل/ دهس/ طائرة تحلق/ طرق عنيف/ دويّ هائل/ نظرات حاقدة/ سباب بذيء/ وجوه كالحة…) فيما كانت تمارسه من بذاءة وازدراء لكلّ من يحمل فكرا وعشقا وحلما لغد أفضل ووطن أرغد. في ظل حكم المخلوع وممارسات السّلطة الغاشمة ومشاهد العنف والتسلّط على سكّان القرية الشّامخة الطيّبة (أكثر من عشرين سيّارة تحاصر البيت المتواضع/ طائرة تحلق/ مائة ونيف من الشّرطة وفرق الأمن/ سالت الدماء من كلّ مكان بوجهه وأطرافه/ عاثوا في البيت فسادا/ يد غليظة رمت به على الجدار الحجري ذي النتوءات/التفتيش/ محاولة إغواء الزّوجة) وما تعرضوا له من ضيم وقهر ومعاناة وإذلال واكبت عمر البطل الغضّ في مرحلتيْ الدّراسة الثانويّة والجامعيّة أيضا حينما انتقل إلى تونس العاصمة وأصابه بعض مما أعتقد أنّه تركه وراءه من أذى وقسوة.

المرأة: نبع البطولة والحياة

     لقد كان للمرأة وجود قاهر في الرواية ينمّ عن سطوة أسطوريّة تشي باعتقاد عميق بمكانتها الشّامخة في الكون لدى المؤلف. فقد استطاع (البشير/البطل) ـ ومن قبله (الهادي/الأب) ـ أن يستمدّ صبره وإرادته وعشقه وإخلاصه وتماسكه منها: (سلمونة/الأم) ثم (ابتسام/الحبيبة) و(بسمة/ الممرضة). حين تناثر ضياؤها وشذاها عبر صفحات الرّواية حين عرضها “بن معمّر” كذات مفردة. وحين طرحها كذاكرة بين فصوص أمخاخ الأبطال الذّكور. فكان لها الأثر البالغ والحافز المحفّز لهم على احتمال صروف الدّهر الممعنة في الأذى والجور.

سلمونة: رقّتها، خجلها، صبرها، عشقها، إخلاصها، مثابرتها، حسّها الأمني المتقد.

ابتسام: غيداء جميلة، طبيبة متفوّقة، شجاعة، تفيض رقّة، وفيّة، حنون.

بسمة: حنون، محفّزة، عطوف، ودودة، رحيمة.

لم تخلُ الرّواية بالطّبع من بعض ظلال رماديّة لصور سلبيّة هامشيّة أنثويّة قدّمها المؤلّف لخدمة المشهد العام للمجتمع قبل الثّورة وبعدها. (الممرّضة القاسيّة/ الزّميلة المتهاونة/ الممرّضة المتغنّجة …).

الوفاء للألم

 استمرّ المؤلف يكيل (للبطل/البشير) الضربات، الواحدة تلو الأخرى، والوجع صوب الوجع: حرمانه من الأبوة بسجن الأب عشر سنوات كاملة، فقر الأسرة، هجر الأهل والجيران للأسرة خوفا من عيون “القوّادة” و”البصاصين”، (العيون التي لا تنام)، معاناة الأمّ وحيدة مقهورة، عودة الأب إلى البيت مريضا من سنوات الحبس الطويلة، فقدانه لحلمه/ حقّه في الدّراسة بالخارج، عمله الشّاق بالحظائر ليجمع بعض المال للدّراسة بالعاصمة، سفر الحبيبة للدّراسة بالخارج، ..،..،..  قبل الثورة. ولم تتوقّف الضّربات حتى بعد الثّورة: موت وليده البكر، فشل أخيه في الدراسة وهذيانه الفكري، تكالب المتمعّشين على الوطن، انتشار الفساد وفشل دور النخبة بعد الثورة، سقوط الشهداء من ثورات الوطن العربي حوله.

لقد كان الفرح قصيرا والأمل باهتا في حياة البشير الابن الأكبر لهذه الأسرة التونسيّة المناضلة. التي لم تخش في الحقّ لومة لائم وتحمّلت من الأهوال والمصاعب والآلام مثل ما احتملت أكثر من أسر ثلث الشعب التّونسي باختلاف انتمائه الفكري والعقدي. أستطيع أن أؤكد أن المؤلف كان وفيا للألم فحسب.

  مع استمرار أوجاع “البشير” ومعاناته النفسيّة والعصبيّة واعتياده الفطري والقهري على عدم التّصريح والبوح، استمرت نوبات “أززلف” تجتاحه وتغتصب جسده مصداقا لقول حبيبته ابتسام في ثنايا الرّواية “قتلتك محن هذا الوطن”. لكنّ استمر يعشق ويكابد ويحلم بوطن أزهى (الجنة/تونس).

  وختاما يمكن القول إن “بن معمّر” بطرقه الواعي على صدق الأحداث وحقيقة المشاعر، تمكّن من الوصول إلى تجسيد تمام الإخلاص وعمق الوفاء، استعارة لقول المتصوفة من أن “الطرق على الطّاعة يوصلك إلى الكرامة”. 

بن  معمر  الحاج  

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى