أقلام

البروفيسور عبد البر الصياد يكتب ..فوضى اللذات في حياتنا النفسية

ولنسلم ــ جدلا ـ مع بعض فلاسفة اللذه بإمكان توجيه الحياة النفسية بأسرها نحو البحث عن اللذات ، ثم لنر بعد ذلك ما الذي يمكن أن يترتب على مثل هذا المسلك الحق اننا لو تركنا لذاتنا وشأنها لاستحالت على الفور الى مجموعة فوضويه او حشد متتاقص من الملذات وهذا هو السبب فى أنه لابد ــــ ان عاجلا او اجلا ــــ من أن يجئ الفكر ، فيحاول تنظم تلك اللذات ، أو العمل على تنسيقها ، ولا غرو ، فإن من تستأثر لنفسها بمجال الوعى كله . ولكننا نعيش في عالم متنهاه هيهات أن تتحقق فيه سائر اللذات معآ فلابد لنا من العمل على تحقيق ضرب من الاقتصاد او التنظيم فى نطاق تلك المتع أو اللذات ، عن طريق معرفة الشروط أو الظروف التي يمكن أن تكفل الانسجام بين اللذات ومعنى هذا أنه لابد لنا من أن نحاول الاستعاضة عن فلسفة اللذة » بما قد يصح أن نسميه باسم « صنعة السعادة » ( أو تكنيك السعادة ) ولا يمكن أن تتحقق هذه الاستعاضة إلا عن طريق إقحام التفكير أو التدبير أو التنظيم على سلسلة اللذات ، بحيث نرجئ الحصول على بعضها من أجل التمتع بغيرها ، ونحاول اشباع رغباتنا على أمد طويل بدلا من الاندفاع إلى إشباعها بشكل فوري مباشر . ولكننا عندئذ لن تلبث أن نجد أنفسنا بإزاء « مذهب المنفعة » الذي يريد لنفسه أن يكون مجرد تصحيح عقلى لفلسفة اللذة . ولسنا نريد في هذا المقام أن نعرض بالبحث لنظرية الفلاسفة النفعيين ( فذلك ما سنعود إليه بالتفصيل في فصل قادم ) وإنما حسبنا أن نقول حساب اللذات » عند چون استيورات مل J. S. Mill لا يعني سوى تأخير موعد استحتقاق اللذة من أجل صبغ السعادة بصبغة عقلية تتفق مع مصلحة كل من الفرد والجماعه . ولكن الظاهر أن الفيلسوف حين يطرد « اللذة » من الباب ، فإنها لا تلبث ان تعود من النافذة ! وآية ذلك أن كل الفلسفة النفعية ـ كما سنرى فيما بعد ــ لم تستطع ان تقضى تماماً على كل اعتبار لمبدأ اللذة ، ومن ثم فقد بقيت الأخلاق عندها ـ فيما يقول خصوم اللذة ـ مجرد حيلة عقلية تصطنعها « اللذات » من أجل تأكيد نفسها على حساب « الوعي الخلقى » أو « الضمير » . والحق أن « النفعيـة ) – كما يقول جانكلفتش ـ تريد أن تتحايل علينا من أجل العودة إلى تقرير مبدأ اللذة ، وإن كان بصورة أكثر معقولية ؛ في حين أننا نشعر في قرارة نفوسنا بأن كل و نقد أخلاقى ينتهى بنا فى خاتمة المطاف الى اللذه ــ بوصفها الكلمة الاخيره لكل أخلاق لن يكون الانقدا متهافتا مشكوكا فيه ، ولا غرابة في ذلك على الإطلاق : فإن اللذة -بالنسبه إلى مثل هذا النقد الأخلاقي المزعوم ـ ليست ( نتيجة ، قد تم التوصل إليها ، بل هى غاية قد انتهى اليها مسار من حيث لا يدرى بفضل نوع من الاستدلال التبريرى

موقف « الضمير » من « مبدأ اللذة ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

والواقع أننا لو نظرنا إلى ما اصطلح فلاسفة الأخلاق على تسميته باسم « الضمير » وا الشعور الخلقي » ، لوجدنا أن هذه « الحاسة الخلقية » ـ إن صح هذا التعبير ـ ذات طابع « أليم » . فالضمير ينطوى أولا وقبل كل شيء على إحساس ضمنی بأن اللذه لا تساوى شيئا او انها ــــــ على الاقل ــــــ ليست كل شئ وهناك تتفرق كلمة « فلاسفة لأخلاق : فمن قائل بأن اللذة كريهة في حد ذاتها ، وأن الضمير لا يقوم إلا على مبدأ كراهية اللذات إلى قائل بأن اللذة ليست كريهة في حد ذاتها ، وإنما الكريه هو الانقياد لها ، والاكتفاء بها ، والارتماء في أحضانها . وإذا كان كثير من رجالات الأخلاق قد افاضوا في ذم فلسفة اللذة ؛ فذلك لأنهم قد لاحظوا أن الضمير المرهف يجزع في العادة من حياة السهولة ، وإشباع الأهواء ، والاستسلام للشهوات . وربما كان أخطر ما في اللذة » أنها تهدد الإرادة باعتياد السهولة ، فتفقدها القدرة على المقاومة ، وتجعل منها

ضحية لدكتاتورية الجسد

صحيح أن « لذاتنا » تمثل وقائع أصلية في صميم حياتنا الشعورية ، فضلاً عن أنه ليس من مصلحة العقل أن يتنكر تماماً لمبدأ اللذة ، ولكن الفضيلة ـ مع ذلك ـ تعامل اللذات معاملة الأعداء ، وكأنما هي تحس بأن كل ما يمثل حياة السهولة أو التلقائية أو الاشباع المباشر لابد من أن يكون في حد ذاته « لا ـ أخلاقيا » : Immoral . وهذا هو السبب في أن الكثير من فلاسفة الأخلاق قد ذهبوا إلى أن مبدأ « الحياة الخلقية ، لا يمكن ان يكون هو « اللذة » ، بل لابد من أن يكون ـ على الأحرى – 1 سبيعة الأحرى ـ قانوناً فائقاً .للطبيعه وحين يقرر بعض « الأخلاقيين ، أن الفضيلة شريعة القلب » ، فإنهم يعنون بذلك أنها تمثل قانوناً غير مكتوب لا يكاد يمت بأدنى صلة إلى مصلحة الفرد ، أو الى الخير العام او حتى الى ما قد نسميه باسم « المصلحة العليا للحقيقة ، ! فلا يمكن أن تكون الفضيلة.مجرداستجابة لنداء اللذه؛ والالكان كل الناس فضلاء ( المشكلة الخلقية ) خصوصاً في عصر أصبح فيه السعى وراء « الملذات طابعاً مميزاً لمعظم خبرات الناس ولاشك أن الشباب المعاصر حين يسعى جاهداً في سبيل تنويع خبراته والبحث عن تجارب جديدة ، فإنه يتوهم أن الوصول إلى « ملذات جديدة » هوا السبيل الأوحد إلى تحقيق السعادة ! ولكن عبثا يظن البعض أن حياة اللذة هي السعادة بعينها : فإن حيا اللذة في الحقيقة هي حياة اللذه فى الحقيقةهى التشتت ، والتفكك ، والتمزق ، والانفصال ، والفوضى ، والاضطراب ، وانعدام التكامل … إلخ . إنها حياة إنسان يعيش صريعا لحالة مستمرة من « الشد والجذب » أو « المد والجزر » : لأنه يبحث دائما عن مطالب متناقضة ، وغايات متعارضة ، دون أن يتمكن يوماً من الوصول إلى أية « وحدة نفسية » أو أي « تکامل نفسي ) . وحينما تصبح حياة الإنسان ضحية لمطلب نهم ، ما يكاد يتم إشباعه ، حتى يعاود الإلحاح على صاحبه ، كما هو الحال ـ مثلا ــ لدى عبيد الخمر أو المخدرات أو الجنس أو أية لذة أخرى ، فإن « الامتلاء » المزعوم الذي تلوح به اللذة سرعان ما يستحيل إلى « خلاء » حقيقى أليم . ولا غرو ، فإن حياة اللذة حياة متقطعة عديمة الانتظام ، تفصل اللحظات بعضها عن البعض الآخر ، لكى تجرى وراء كل لحظة منها في اتجاهها الخاص ! ومن هنا فإن اللذة لا يمكن أن تهبنا الشعور بالطمأنينة أو السلم : لأن « التحرر » الذي توفره لنا يظل هو نفسه خاضعاً للزمان ، والزمان لا يفتأ ينكره ويلغيه بغير انقطاع ! وحسبنا أن نرجع إلى حياة كل من أندريه جيد A. Gide ومونترلان ، لكى نتحقق من أن اللذة عندهما قد كانت تلتمس « المطلـق » في « الآن » ، فلم تستطع أن تظفر إلا بامتلاء وقتى أو إشباع أنى ، وهيهات لمثل هذا الامتلاء ، أن يشبع نهم الإرادة ! …. وأخيراً قد يكون في وسعنا أن نقول إن كل فلسفة أخلاقية تمجد اللذة ، وتوحد بين الخير » و « القيم الحيوية » لابد من أن تنتهى إلى القضاء على كل « إحساس بالقيم » لدى الفرد : إذ أنه بمجرد ما يستحيل الإنسان إلى « عبد للملذات » ، فإنه لن يلبث أن يضحى بالأعلى في سبيل الأدنى ، ومن ثم فإنه لابد من أن يصبح ـ في خاتمة المطاف ـ مجرد حيوان أناني ! وليس من شك في أن أحداً لا يدعو الإنسان إلى التنكر تماماً لكل لذة » ، والعمل على استئصال كل رغبة في الحصول على الخبرة السارة » ، ولكن أحداً أيضاً لا يريد للإنسان أن يستحيل إلى مجرد « كائن طبيعي » تتحكم في كل سلوكه بعض « القيم البيولوجية » المحضة ، وتتجاذب حياته بأسرها طائفة من الشهوات المتناقضة التي تسودها الفوضى والاضطراب

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى