أقلام

البروفيسور عبد البر الصياد…بعض أعراض « الكراهية » بوصفها « علة أخلاقية »

وهنا قد يحق لنا أن نتوقف وقفة قصيرة عند تلك « الكراهية ، التي قلنا عنها إنها إرادة الشر » بدمها ولحمها ! فما الذي تتسم به تلك العلة الأخلاقية الخبيثة ، أو ما هي أهم الأعراض التي تميزها ؟ إن أول ما نلاحظه في هذا الصدد أن الكراهية لا تستطيع أن تحيط بقرارة الذات ، أو أن تتعمق أسرارها ، أو أن تنفذ إلى صميم وجودها ، بل هي تتوقف بالضرورة عند بعض التفاصيل الجزئية ، أو المظاهر السطحية ، لذلك الآخر ، الذي هو موضوع بغضائها . وعلى حين أن الشرير يعجز عن فهم نفسية أخيه ؛ لأنه لا يرى جوهر وجوده ، ولا يدرك قيمة الحقيقة ، نجد أن المحب يفهم محبوبه في تكامل ، ويدرك وجوده ككل ، فهو يغض النظر عن مساوئه الجزئية ، ولا يكاد يتوقف عند عيوبه الظاهرية ؛ لأنه يرى منه صميم حياته الباطنية العميقة ! وهكذا نرى أن الكراهية لا تقرأ « الباطن » ولا تحسن فهم « الداخل » : ه : لأنها في جوهرها مجموعة من القراءات السطحية ، والتأويلات الظاهرية ، لسلوك « الآخر » . وليس من عجب ألا تفهم الكراهية شيئا : فإن أخشى ما تخشاه هو أن تفهم ، وهي تعلم أنها لو فهمت ، لما استطاعت من بعد أن تبغض ! ومن هنا فإن الكراهية لا تريد أن تتعمق ذاتية « الآخر » ، حتى لا تتعرف في شخص قريبها على « حامل القيم الروحية » ، أو حتى لا تجد نفسها بإزاء « وحدة شخصية » قابلة للحب وعلى حين أن « الشفقة » تمثل ضرباً من التباطؤ والتعمق والتوقف عند الآخر ، نجد أن الكراهية هي الحكم السريع السطحي العابر الذي يأبى التوقف عند ما يحمله « الآخر ، من قيم روحية » ، مكتفيا بالنظر إلى شخصيته نظرة سريعة عابرة ، فالكراهية صماء لا تريد أن تسمع ، .. متعجلة لا تريد أن تتوقف ، بحيث إن ما فيها من نقص أساسي قد لا يرجع أولا وبالذات إلا إلى صلابتها ، وإقفارها ، وفقر خيالها ، وافتقارها إلى كل إشعاع ! ولعل هذا ما عبرنا عنه في موضع آخر حين قلنا « إن الكراهية هي تلك الوحدة الباردة التي لا يستطيع صاحبها أن يحيا في أية مدينة عقلية ، نظراً لأنه يريد دائماً أن يعيش في مكان قفر مجدب ، لا تتردد فيه أي أصداء على الإطلاق ، وقد يقع في ظن البعض أن « الكراهية ، وإن كانت ظاهرة سلبية إلا أنها تنطوى على

( محبة ضمنية ) . وبهذا المعنى مثلا قد يبعض المرء جماعة الملونين ، لكي يحب جماعة البيض . ولكن الواقع أنه إذا كان الشرير يبغض الزنوج ؛ فذلك لأنه عاجز عن محبة الإنسان بوجه عام . ولهذا فإننا نقول إن الكراهية عقيمة ، ومن ثم فإنه لا مجال للتحدث بأي حال عن « آثار قد تنتجها الكراهية ومعنى هذا أنه ليس في وسعنا أن نقيم فوق دعامة من الكراهية أي بناء متين يمكن أن يقدر له البقاء ، أو أية جماعة أخلاقية يمكن أن ترتكز على قيم صحيحة … إلخ والحق أنه ليس للشر ـ كما سبق لنا القول ـ أي وجود حقیقی ، فهو في حاجة ماسة باستمرار إلى « الإرادة الشريرة » التي تتكفل بالعمل على إيجاده ! وتبعاً لذلك فإن « الكراهية »ليست شيئا إيجابيا قائماً بالفعل ، بل هي توتر وتقلص وجهد إرادى ، أو هي على الأصح شيء فارغ يحتاج باستمرار إلى عملية ( نفخ » حتى تقوم له أدنى قائمة : إذ أنه في حد ذاته « غير قابل أصلا للحياة » ! وربما كان هذا هو السبب في أن « الشر » قلما يتجمع ويتراكم كرأس مال متضخم ، على العكس من « الخير » الذي يترسب دائماً على شكل أعمال إبداعية وآثار فنية ومظاهر خلق ولادات روحية خصبة . وحين يقول أحد فلاسفة الأخلاق « إن الشر هو السقط L’avorton الذي يراد ولا يوجد ، فإنه يعني بذلك أنه يكفى لظهور الشر أية غفلة صغيرة من قبل إرادتنا ، ولكننا ما نكاد ندير له ظهورنا ، حتى بيادر إلى الاختفاء ، فتعجب عندئذ كيف أمكن له أن يوجد يوماً !

الشر حقيقة خفية قد تندس حتى في النوايا الطيبة !

ولكن حذار أن نتوهم أنه إذا كان كل وجود « الشر » منحصراً في عملية إرادته ومعاودة إرادته ، فإن « الخير » ـ على العكس ـ حقيقة إيجابية قائمة بذاتها ! كلا ، إنما الخير الذي صنعناه ، لابد لنا من أن نعود فنصنعه دائماً أبدأ من جديد ، وإلا فإننا لن تلبث أن نجد أنفسنا قد انحرفنا عن جادة الفضيلة . ومن هنا : فإن علينا أن نتذكر دائما أن الواجب » عملية مستمرة تلزمنا بمواصلة الجهاد إلى مالا نهاية ! صحيح أنه ليس ثمة شيء يمكن أن يعد في حد ذاته شراً إيجابيا مطلقا ، ولكن كل شيء يمكن أن يستحيل إلى و شر ، بدليل أن الشر يستطيع أن يندس حتى في صميم النية الطيبة ، كما يندس طعم المرارة حتى في أعماق السعادة ! ولن تكفى المعرفة لعصمتنا من الوقوع في هذا الشر : فإن الإغراء قد يكمن حتى في صميم الأعمال الطيبة . وآية ذلك أننا قد نأتى فعلا لا نلمح فيه أي أثر من آثار الخبث أو السوء ، ومع ذلك يكون سم الشر قد اندس فيه ولو أن « الشر » كان شيئاً موضوعيا أو حقيقة ملموسة أو كائناً واقعيا ، لكان يكفى ألأ تفكر فيه حتى نتجنب وسواسه ! ولكن «الشر » ـ فيما يظهر ـ حقيقة خفية ذات طابع روحي : إذ مهما نصم آذاننا ، ومهما نغمض عيوننا ، ومهما نخفى أنفسنا تحت الأرض ، فإن « الشر » . مع ذلك يظل يهمس في آذاننا وكأنما هو يخاطبنا بآلاف من الأصوات الخفية ! وقد أصر على إنكار الواقع ، ولكننى مع ذلك قد لا أجزع في قرارة نفسي جزعاً حقيقيا لأي شر يلحق بمن أحسن إلى ! والظاهر أن « حب الشر » دفين في القلب البشري ، بدليل أن الإنسان قد يستشعر غبطة دفينة أثناء الحرب ، وكأنما يحلو له أن يسمع عن موت الصديق ، أو كأن ثمة فكرة شيطانية خبيثة تراود نفسه فيتمنى لغيره الموت ! وحين يفرح الإنسان للفشل يصيب قريبه ، فإنه قلما يصارح نفسه بأن سم الشر قد اندس في أعماق قلبه . ولكن الشر ـ مع الأسف ـ خطر جاثم يتهدد باستمرار كل أفعالنا الخيرة ، وهو على استعداد دائماً لأن يندس في أكثر نياتنا طيبة ! ولهذا يقول أفلوطين إن سر النجاة إنما يكمن في « الهرب » : الهرب من عدوى المادة التي هي علة كل جهالة ، وأصل كل انحراف شرير . ولكن ، هل يكون و الهروب ، هو الحل الحقيقي للمشكلة الأخلاقية ؟ أو هل يكون « الشر » مجرد « عدوى » تلحقنا دائماً من الخارج.

البروفيسور عبد البر الصياد رئيس المركز العالمي للتحكيم الدولي وفض المنازعات

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى