أقلام

البروفيسور عبدالبر الصياد يكتب….” الحب الحقيقي”

الحب الحقيقي هو فيما وراء السعادة والشقاء
إذا كان الناس قد دأبوا على تركيز انظارهم حول القيمة الانفعالية للحب ، فذلك لانهم
قد وجدوا في « الحب » عاطفة إيجابية إلى أبعد الحدود ، حتى لقد اقترنت هذه العاطفة في نظرهم باعمق انفعالات الغبطة ، والنشوة ، والسعادة ! وليس من شك في ان خبرة الحب ـ أياما كان موضوعها ــ هي من أكثر خبرات البشر قيمة ، وخصوبة ، ، وثراء وربما كان من طبيعة الحب أنه حين بأخذ بمجامع قلبين ، فإنه كثيراً ما يصور لهما انه ازلى أبدى ، عال على الزمان ، على الرغم من أن تجربة الحب نفسها تجربة زمانية سيكولوجية ، وجدانية ، لها بدايتها ، ونموها ، وانحلالها . والواقع أن المحبين يشعرون بان للحب معنی خالد وكأن من شأن الحب ان يكشف لهم عما فى أنفسهم من عنصر خالد لعله أن يكون افضل ما فى ذواتهم وكل حب شخصى هو بطبيعته فردى ان لم يكون فريدا في نوعه ، مثله في ذلك كمثل حامله من جهة ، والموضوع الذي يتجه نحوه من جهة اخرى ولكل حب ايضآ وجوده المثالى الخاص به وهو « الوجود » . الذى لابد من أن يبدو للكائنين المتحابين حقيقة خالدة ! صحيح أن دوام الحب رهن دائمآ بمدى قدرة « الإنسان التجريبي » على استبقاء هذه الحقيقة ، خصوصاً وأن الإنسان التجريبي » هو الذي « يحب » ؛ ولكن من المؤكد أنه قلما يخلو « حب » من مثل هذا الإحساس السامي بالمشاركة في حقيقة خالدة ، أو في عنصر أزلى أبدى عال على الزمن ! ولاشك أن الخارجين عن دائرة الحب لا يرون في هذا الإحساس سوى » ، مجرد وهم ولكنه في نظر المحبين أنفسهم « حقيقة » لا يتطرق إليها أدنى شك ! واذا كان الناس كثيراً ما يتحدثون عن « سعادة » الحب ، فإن هذا الوصف قد لا ينطبق تمامآ على خبرة الحب . وآية ذلك أن الشحنات الوجدانية التي تنطوى عليها هذه الخبرة لا تتطابق مطلقا مع انفعالات الغبطة ، والنشوة ، والسرور ، إن لم نقل بأن السعاده أمر ثانوي في الحب . والحق أن الحب يجمع بين اللذة والألم ، بين النشوة والعذاب بين السعادة والشقاء ، وربما كان أعجب ما في الحب أنه حين يبلغ ، بین العمق الوجداني ، فإن الألم والسرور عندئذ لا يلبثان أن يستويا ،وكأنما هو لا يبالى بالواحد منهما والآخر ، أو كأنما هو قد أصبح عاجزاً عن التمييز بينما ! وهذا هو السبب في أن عذاب المحبين قد يصبح مصدر سعادة لهم ، كما أن سعادتهم قد تصبح مصدر ألم لهم ! أو لعل الأدنى إلى الصواب أن نقول إن القيمة الوجدانيه المميزة للحب تقع فيما وراء كل من السعاده والشقاء؛ لانها تمثل وجدانآ من نوع اخر؛ او عاطفة ذات رتبة مختلفه ومعنى هذا أن الصبغة الوجدانيه للحب تشمل على مضمون روحى خاص وكأن الذبذبات المتلاحقه لموجات اللذه والالم لا تمثل فى حياة الحب سوى عامل فرعي او عنصر ثانوي بحت وليس من المستبعد ــــ فى خبره الحب ــــ أن يلتقى المحب بمحبوب يسومه العذاب او يقع المحبوب تحت طائلة محب جائر تسيطر عليه ارادة التملك ولكن كل هذه الصور الشاذة من الحب لا تمنعنا من القول بأن القيمة الوجدانية الحقيقية للحب هي فيما وراء كل مشاعر اللذة والألم . وحينا يستحيل الحب إلى هوى عميق يطوى نفس صاحبه في جو روحي عامر بالسكينة ، فهنالك تصبح المشاركة القائمة بين القلبين المتحابين أعمق بكثير من كل ما تنطوى عليه حياة الوعى أو الشعور ، كأنما هي قد استحالت إلى نور صاف يلمس برقة ناعمة أعماق « الحياة الروحية » للكائنين المتحابين . وهنا يظهر لنا الطابع الروحي العميق الذي يتسم به الحب الشخصي : فإن من شأن هذا الحب أن يتخطى شتى الجوانب السطحية في حياة الشخصين المتحابين ، لكي يوحد بين وجودهما الباطني العميق ، في رابطة روحية وثيقة هيهات أن تنفصم عراها . وليس من النادر أن يقترن الحب الشخصى بضرب من النزاع السطحى أوالخلاف التجريبي ،الذى قد يخنق له الطرفان المتحابان ، ولكن الملاحظ في العادة أن هذا النوع من الحب كثيرا ما يظل محافظآ على بقائه ، على الرغم من كل تلك الخلافات أو الصراعات . صحيح أن الحب الشخصي قد يجد في أمثال تلك النزاعات ما يسبب له ضرباً من الألم أو العذاب ، فضلاً عن أنه قد يقع ضحية لمثل هذا الصراع الأليم ، خصوصاً حينها لا تتوافر لديه لقوة اللازمة لتجاوز حياة الصراع ، ولكن السمة الغالبة على الحب الشخصي هي انه قلمآ يحاول حل الصراعات التي تقلق باله وترين عليه ، بل هو يجد السبيل إلى تجاوزها من اجل الامتداد نحو حالة أعمق من الانسجام الباطني . والواقع أن الحب قدير على تحمل الألم والاستهانة بالعذاب ، لأن جذوره لا تكمن حيث تقوم جذور الصراعات والخلافات ، بل هي متأصلة في طبقات أعمق من كياننا الأخلاق وليس من شأن الحب أن يمد جذوره في الينابيع الروحية العميقة لحياتنا الشخصية فحسب، بل إن من شأنه أيضاً أن يسمو بهذه الينابيع الدفينة إلى مستوى الوعى او الشعور ، أو أن يسلط عليها بعض الأضواء الوجدانية الكشافة . وربما كان أعجب ما فى الحب ان
أنه يزود تلك الأعماق السرية الغامضة بلسان فصيح لولاه لبقيت خرساء لاتنطق ولا تبين ! صحيح أن هذه اللغة قد تبقى ناقصة أو غير مكتملة ، ولكن من المؤكد أن لغة الحب ليست في حاجة إلى ألفاظ أو كلمات ! وآية ذلك أن المحبين لا يشعرون بالحاجة إلى التعبير اللفظي ، نظراً لأن لديهم من صنوف اللغة ( كالرموز ، والاشارات ، والإيماءات ، وشتى ضروب الكشف ) ما يغنيهم عن لغة الألفاظ أو الكلمات! وكثيرا ما يجد المحبوب في قدرات النفس والبدن أدوات فعالة يضعونها في خدمة تواصلهم الروحي ، وكأن الحب نفسه هو الذي يزودهم بالبصيرة القادرة على التفاهم العميق والمشاركة النفاذة ومن هنا فقد لا نجائب الصواب إذا قلنا إن من شأن ،الحب أن يفتح في أعماق النفس البشرية سراديب مجهولة حافلة بالكنوز الثمينة ! وهذا ما يستشعره المحبون حين يعلون من شأن الحب بوصفه تلك الخبرة النفسية الهائلة التي تستخرج من نفس كل واحد منهم خير ما فيها ، وكأن القيمة الحقيقية للشخصية لا تظهر الى حيز الوجود إلا من خلال تجربة الحب . وهكذا نرى أن حياة المشاركة الباطنية العميقه لابد من أن تبقى سرا مجهولاً لدى كل نفس لم تتح لها فرصة الحب ، ما دامت لم تلتقى في طريقها بالذات الأخرى التي تراها ، وتفهمها بحق! هل يكون الحب صورة خاصة من صور « المعرفة » ؟

وهنا قد يحق لنا أن نتساءل : هل تكون كل قيمة « الحب » مقصورة على ماله من صبغة وجدانية باعتباره « ميلاً ، أو نزوعاً أو « اتجاهاً وجدانياً » ؟ ألا يمكن أن نعد الحب » أيضاً شكلاً من أشكال « المعرفة ، ؟ هذا ما قد يجيب عليه معظم الناس بالسلب : فإن العنصر العرفاني في الحب هو أكثر عناصره غموضاً وأعسرها تمييزا .وآيه ذلك أن الحب يتقبل شخص « المحبوب » على نحو ما يراه ، أو على نحو ما يود أن ، يراه مما يدفع بالكثيرين إلى القول بأن « الحب أعمى » ، وأنه سعيد في عماه ، وكأن لا حاجة به أصلاً إلى الرؤية ؟ ولكننا لو أنعمنا النظر إلى عوامل « القيمة » التي أتينا على ذكرها فيما سلف ، لتبين لنا أنها جميعاً تفترض عنصراً أصيلاً من عناصر « المعرفة » . والافكيف للحب أن يتحرك صوب القيمة المثالية للشخصية ، أو حتى كيف له أن يجد ه طريقه إلى « الوجود الحقيقي » للإنسان ، إن لم يكن في استطاعته أن « يفهم » ذلك الوجود او أن « يدركه » بوجه ما من الوجوه ؟ صحيح أننا هنا بإزاء ضرب من « الفهم الوجدانى » أو « الإدراك العاطفي » ، ولكنه على كل حال شكـل مـن أشكـال المعرفة » . ولاشك أن كل من ينظر إلى « المعرفة ، على أنها مجرد « تفكير او استدلال » أو « وعى عقلى » سوف يبادر إلى الاعتراض على اعتبار « الحب » مصدراً من مصادر – المعرفة ، ، ولكن من المؤكد أن خبرة الحياة من جهة ، والوعي الخلقي من جهة أخرى ، لا يسمحان لنا بقبول مثل هذه النظرة القاصرة إلى المعرفة ، ولما كان كل فهم حقيقي للقيم لابد من أن يستند إلى « الوجدان ، ، فإن العنصر الأساسي من عناصر • الإدراك التقييمي » لابد من أن يرتكز على « الفهم الوجداني » ، وهذه الحقيقة تصدق أولا وبالذات على « الحب الشخصي ) ، ما دام هذا النوع من « الحب ، ينطوي على إدراك وجدالي لبعض القيم ، الكامنة ـ ضمنيا
في شخص ، المحبوب . ـ وقد يكون الناس على حق حين يقولون«ان الحب اعمى» فان الحب ـــــ فى الواقع لا يرى ما هو ماثل أمام عينيه ، ولكن ربما كان الأدنى إلى الصواب أن نقول إن الحب يرى ما ليس مائلا عينيه ، أو ما ليس في متناول يده بالفعل ! ومعنى هذا أنه يمند بصره إلى ما وراء الواقع : إذ أن من طبيعة « عيانه » أن يكون صورة من صور و التنبؤ » Divination , وآية ذلك أن الحب يعد الماهية « المثالية » الكامنة وراء الإنسان « الواقعي » بمثابة « الإنسان الحقيقي » . وحين نكون بصدد « الشخصية » ، فإن من المؤكد ان الموجود الذى يحب » هو وحده الذى «يرى»؛ فى حين ان ذلك الذى «لا يحب» هو« الأعمى » بمعنى الكلمة ! وعلى حين أن الرجل العادل يظل أعمى لا يرى الشخصية ، نجد أن الإنسان المحب الذي يتميز ماهية الشخصية يكاد يكون رجلا « غير عادل»! وذلك لان الاول منهما « ألا وهو الرجل العادل» مفتقر تماما إلى كل عنصر ، من عناصر الحب فهو لا يرى الا ما هو «متحقق» .؛ فى حين أن الثانى منهما ( ألا وهو الرجل المحب ) لا يرى إلا الشخصية المثالية . وهذا هو السبب في أن « الإنسان المحب » لابد بالضرورة من أن يبدو لغير المحب بصورة الإنسان الأعمى ، بينما نلاحظ أن ما يراه ه الإنسان المحب » هو ــ على وجه التحديد ـــ ما يعجز عن رؤيته الإنسان غير المحب ! ولكن ليس من شك في أن « الإنسان المحب » حين يمضي في طريقه ، هو دائما على حق ، إذا قورن بذلك الحشد الكبير من « غير المحبين » ، لأنه هو وحده الذي « يرى » بحق ذلك « الشخص » الذي آثره بحبه ! ولما كان موضوع الحب بالضرورة موضوعاً فردياً ـ ألا وهو الشخصية المثالية ـ فإن من طبيعة قابلية الحب للمعرفة ، أو قدرته على
المعرفة ، أن تبقى قدرة جزئية غير قابلة للتعميم وهنا قد يقال إنه لا موضع للحديث في الحب عن أية « خبرة » أو « تجربة » : فإن المحبين لا يتعلمون » شيئا ، ولا يستخلصون من خبرات حياتهم أي درس ؛ الأمر ،الذى قد يدفع برجل التجارب إلى السخرية منهم والتندر عليهم ؛ ولكن ربما كانت هذه الظاهرة بعينها هي مصدر كل ما في الحب من ( جدية ) . وحتى حين تجيء كل الوقائع مؤيدة لما يقول به رجل التجارب ، فإن المحب يظل مع ذلك ( من وجهة نظره المثالية ) على حق ! والواقع أنه ليس ثمة تجربة ، حتى ولا تجربته الخاصة ، يمكن أن تعلمه أو أن يلقنه أي درس ، وذلك لأن من شأن حبه أن يركز كل بصيرته الحدسية على الشخصية المثالية للكائن المحبوب ! ولكن المحب لا يرى مثل هذه الشخصية المثالية في استقلال تام الشخصية عن الشخصية التجريبية ، بل هو يرى الواحدة منها عبر الأخرى ، أو من خلال لأخرى ، وكأنما هو يدرك « الذات المثالية ـ أوليا أو حدسيا .. من خلال « الذات الواقعية ) . ومعنى هذا أن العنصر العرفاني ـ في الحب الشخصي ـ لا يكاد ينفصل و الطابع الأولى » ، ( أو القبلي ) : Apriorism الذي يتسم به كل إدراك للقيم . وقد يكون من الحديث المعاد أن نقول إن الحب الشخصي ـ وحده ــ هو الذي يعرف ، الشخصية باعتبارها « قيمة » : فإنه لمن الواضح أن الطريق الأوحد إلى فهم » الشخصية هو طريق العيان أو الاستبصار أو الحدس ، أعنى طريق « الحب » الذى يتم عبره اكتشاف « المثالي » في « الواقعي » ، ولابد للحب ـ بادئ ذي بدء ـ من ان يفهم » المثل الأعلى للشخصية ، حتى « يعرف » وجه التباين بينه وبين الشخصية الفعية للكائن المحبوب ، ولكن من شأن الحب ـ بعد ذلك ـ أن يسعى ويجاهد في سبيل العمل على تحقيق ذلك « المثل الأعلى » ، وبالتالي فإنه يسهم بنشاطه الخاص في ابداع «الشخصية المثالية » للكائن المحبوب . ولاشك أن اكتشاف «المثل الأعلى، يتم هنا قبل المبادرة إلى « تحقيقه » : لأن عملية الإدراك أو التمييز لابد من أن تسبق النشاط البناء يضطلع به « الحب » . ومعنى هذا أن كل « تحقيق » أو « إنجاز » ، بل كل احساس بالتحقيق أو الإنجاز ، لابد من أن يرتكز على المعرفة النفاذة التي ينطوى عليها
«الحب» والحدسى يبد أن المحب ، لا يرى في «المحبوب» ، شخصيتين مستقلتين شخصية واقعية واخرى مثالية روحية ، بل هو يرى فيه شخصية واقعية تلتمس تحقيق مثلها الأعلى وكأن المثل الأعلى » مائل بطريقة مباشرة في «الواقع»، ، أو كأن « الكائن الواقعي » قدتسامي منذ البداية إلى مستوى و الكائن المثاني ، ! وليس من شك في أن المحب ، قد يتعرض للخطأ ، حين يتوهم أن الإنسان الواقعي هو بعينه الإنسان المثالي ، ولكن بيت القصيد في الحب أن يعرف المحب كيف يجمع بين حياة المثل الأعلى من جهة ، وحياة الكائن الواقعي من جهة أخرى ، بحيث لا يرى في « المحبوب ، سوى شخصية واقعية تسعى جاهدة في سبيل تحقيق مثلها الأعلى . وهنا قد لا تخلو خبرة الحب من ألم و عذاب ، ولكن هذا الألم وذاك العذاب هما الثمن الباهظ الذي لابد للمحبين من أن يدفعوه للحصول على تلك الدرجة العليا من « المشاركة » و « العيان الخالص ، . وليست حياة الحب سوى حياة روحية يقضيها المرة في التعرف على ما هو جدير حقا بالمعرفة ، أعنى أنها حياة مشاركة يتعلق فيها الإنسان بأسمى وأرفع ما في الإنسان ! وإذا كان الحب الشخصي قيمة أخلاقية كبرى في حياة الإنسان ، فذلك لأنه يخلع على الوجود البشري عمقآ ، ومعنى ، وقيمة ، فيكسبه بذلك اتجاهـا ، وقصداً ، غائية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى