أقلامدولي

إنتخابات أمريكية بعيون عربية

مع  حلول  كل  موسم انتخابي أمريكي، تحبس كثير من العواصم العربية أنفاسها بانتظار التعرف على هوية الوافد   الجديد للبيت الأبيض، ومن يحيط به من مساعدين ومستشارين، وما الذي يمكن أن يُحدثه من تغيير في اتجاهات السياسة الأمريكية، وفي أية اتجاهات … هذه المرة، لا تبدو الصورة مختلفة بحال من الأحوال. رغم  الظروف الراهنةوالمحيطة   والمتعلقة  بالوباء العالمي  … وحتى  عودة لبوادر حرب باردة  بمعالم جديدة ومتجددة …. وإن تغيرت  التركيبة وحتى المسمياة 

مع أن كثيرين من المسؤولين وصناع الرأي والقرار في العواصم  العربية ، يدركون تمام الإدراك، أن السياسة الخارجية لواشنطن، تتسم غالباً بـ”الاستمرارية”، فهي تعبير عن “مصالح ثابتة” على وجه العموم، وهي نتاج مؤسسات ومراكز قوى عديدة، وليست سياسات أفراد، خاضعة لتقلب المزاج كما هي الحال في العديد من دولنا وعواصمنا، مع أن للفرد، رئيساً أكان أم في أي موقع من مواقع صنع القرار، “أثره الخاص” في تشكيل المواقف وتلوين السياسات، حتى في أكثر الديمقراطيات تجذراً.

بهذا المعنى، يصعب القبول بالتكهنات والتقديرات التي تتنبأ بحدوث استدارات كبرى في مواقف واشنطن وسياساتها، بمجيء بأي من  أو بقاء    منافسه  الإشكالي دونالد ترامب، وإن كان من الممكن التنبؤ بحدوث تغيرات تكتيكية على هذا الملف أو ذاك، وبما يستثير الرضا أو الغضب في هذه العاصمة أو تلك. في ضل عامل  وجود حوافز إقتصادية  وحتى جو سياسية قد  ترجح  كفة أحد الطرفيين  … دون المساس  بالعديد من  ثوابت السياسة الخارجية   مع هيمنة اللوبي  الصهيوني على  المشهدين الإعلامي وحتى السياسي   …خاصة  في دواليب  مجلس الشيوخ 

دول الخليج العربية، التي اعتادت الاستئناس بالحزب الجمهوري ومرشحيه ورؤسائه، تبدو هذه المرة في موقع مغاير، فهي تخشى المزاج المتقلب والحاد للمرشح ترامب، باعتباره رجلاً من الصعب التكهن بما سيأتي به من مواقف وتصرفات وسياسات.. والذي أرهف جيل  هذه الدول مقابل الحماية  وعرقلة أغلبها  إلى نكسة التطبيع  على غرار الإمارات والبحرين منذ أيام  …. وفي هذا التوقيت بالذات . وما عرفته هذه  النكسة   من تدعيات  والتي  ولدت  تذمر و وسخط  كبير ان وسط الشارع العربي ….

كما أن  العديد  من  العواصم العربية  تعي أن  سياسة  ترمب والقائمة  على المال  قبل السياسةهذه النظرية  قد أثر  ث كثيرا على  العديد من المفاهيم وحتى الأعراف السياسية  داخل المجتمع الأمريكي  وخارجه  كما أثر  ذلك  على العلاقة العربية مع الكثير من الكيانات الأخرى على الساحة الدولية  كروسيا  والصين وحتى للإتحاد الأروبي  …مع  تنامي الدور الإراني وحتى التركي في المنطقة  

 فهي تفضل التعامل مع بيدن  ،   لا   سيما وأن مرشح   الحزب الديمقراطي،  ي نتمي إلى “تيار صقوري” في الحزب،  يناصب إيران عداءً اكبر، وتبدي  سياساته  استعداداً لتبني سياسات أكثر صدامية معها، سواء حول برنامجها النووي أو دورها الإقليمي، وهو صحاب مواقف معروفة بتشدده  ضد نظام الأسد وحلفائه ، الذي تجلى في دعمه للقبول بالمقترح التركي فرض مناطق حظر طيران وأخرى آمنة في شمال سوريا، أبدى  استعداداً اكبر لدعم المعارضة مع  ضمان امنالكيان الصهيوني  أو مايعرف   السلام  مقابل الأمان   أو الحماية إذا ما  صح القول ، وغير ذلك من مما هو معروف من مواقف  وتدعيات 

كما أن  أكثر ما يهم دول الخليج، هو طي صفحة  ترامب  الرئيس الذي وصف بالمتطلب والإنتهازي    ، وهو أيضاً الرئيس الذي يوصف بأنه الأكثر حدة ووضوحاً في توجيه انتقادات لدول الخليج العربية … من المرجح ألا تشهد العلاقات الأمريكية الخليجية، مثل الفتور وانعدام الثقة اللذين شهدتهما في مرحلة ترامب  مع أن هنالك  خطوط عريضة حكمت  العلاقتين    في مقدمتها ظهور جيل جديد  على رأس  العائلة الحاكمةالخليجية   الذي لا يعترف بالعديد من  الأدبيات  التي كان  سائدة  من  قبل … مغلبا لغة  المال  قبل كل شيء  

 حتى  أن مكانة النفط،  في  الخليج في تراجع مطّرد من منظور الاستراتيجية الأمريكية.ممما يفقد هذه الأنظمة  أحد   أنواع  الضغط  والمناورة

كما  أنها   أمام مرشح الجمهوري،  بفكر  مقاولاتي ويجيد  خلق الأزمات  مقابل المال     …فهو ينطلق من نظرية “داعش ” ومحاربة الإرهاب  أولا  مع     إرجاء ملف مستقبل الأسد والمستنقع السوري   إن لزم الأمر، وهو يميل إلى تلزيم كل من   روسيا وإيران  بالملف السوري….دو  إيجاد حل  للقضيتيين  والتان  تؤرقان  مضاجع دول الخليج بخصوص  ….

،وقد    سبق له أن أطلق عبارات تنم عن استعداد أعلى للتعامل مع “القيصر” والتعاون معه في سوريا، وهو أعلن مراراً بأن سيُدَفع دول الخليج العربية تكاليف أي عمل عسكري أمريكي للدفاع عن أمنها، داخل حدودها ومياهها، او بعيداً عنها في سوريا وغيرها … هنا يلقى الجمهوري ترامب قبولاً أعلى في موسكو ودمشق، ما يجده في الرياض وأبو ظبي – ربما.

فلسطينياً، لا يخفى على أحد أن السيد  ترامب ،  يبدو الأكثر التصاقاً باللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، والأكثر إسرافاً في التعبير عن التأييد المطلق وغير المشروط لإسرائيل وأمنها وتفوقها … وهذا ماتجلى في سعيه الحثيث  في  نقل السفارة الأمريكية  من  تل  أبيب الى القدس  ودوره الهام  في ترسيم  التطبيع مع  العديد  من دول    الهرولةحتى وإن بيدن   لا يختلف كثيراً عنه، بيد أنه أقل اعتمادية على اللوبي اليهودي، وهو صرح بمواقف تلحظ فيه  الحاجة لمراعاة أفضل لمصالح الفلسطينيين وحقوقهم، كشرط لنجاح الولايات المتحدة للقيام بدور الوسيط في عملية سلام الشرق الأوسط. وذلك   لمغازلة جيز ب  الخليجيين  لدعمه في حملته   ضد  ترامب  

الحرب على الإرهاب، هي أيضاً من العناوين المهمة للمصالح الأمريكية الثابتة في المنطقة، إلى جانب النفط وإسرائيل، وحول هذه النقطة بالذات، لا يبدو أن ثمة تبايناً جوهرياً بين المرشحين حيال هذه المسألة، كلاهما يظهر عزما وحزماً على ملاحقة داعش والمنظمات الإرهابية، وكلاهما سيقترح تكثيف الضربات العسكرية الأمريكي لمصادر الإرهاب، من دون التورط في حرب شاملة، او إرسال جنود على الأرض، الخلافات قد تنحصر في التكتيكات والأدوات والتحالفات لا أكثر.

الملاحظ أن قضية “نشر الديمقراطية وحقوق الانسان” تحتل مكانة باهتة جداً على جداول الأعمال الشرق أوسطية للمرشحين كليهما، في امتداد واضح لموقف أمريكي (غربي عموماً) متراجع تماماً عن هذا المطلب، سيما بعد الخيبات التي انتهى إليها ما بات يعرف بـ “الربيع العربي”.

يبقى أن نشير إلى أن الحديث عن “القضايا العربية في برامج مرشحي الرئاسة الأمريكية”، يأتي في زمن تتراجع فيه مكانة الإقليم برمته في الاستراتيجية الأمريكية، وانتقال ثقل التركيز الأمريكي من الشرق الأوسط والخليج وشمال أفريقيا، على الإتحاد الأروبي   و آسيا وحوض الباسيفيك، بصورة عامة، وفي وقت تبدو فيه قضية فلسطين وصراع العرب مع الإسرائيليين، في أدنى سلم الاهتمامات الأمريكية، بل والاهتمامات الدولية والإقليمية. في الوقت  الراهن ..

بن معمر الحاج 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى